الخطيب الشربيني
174
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
يريد ونفيت عنه الذئب ؛ قال ابن عادل : وليس بجيد لأنّ زيادة الاسم ليست بالسهلة ؛ وقيل : إنّ الجنتين جنته التي خلقت له وجنة ورثها ؛ وقيل : إحدى الجنتين منزله والأخرى منزل أزواجه كما يفعل رؤساء الدنيا ؛ وقيل : إحدى الجنتين مسكنه والأخرى بستانه ؛ وقيل : إحدى الجنتين أسافل القصور والأخرى أعاليها ؛ وقال الفراء : إنها جنة واحدة وإنما ثنى مراعاة لرؤوس الآي ؛ وأنكر القتيبي هذا وقال : لا يجوز أن يقال خزنة النار عشرون وإنما قال : تسعة عشر مراعاة لرؤوس الآي ؛ وقيل : جنة واحدة وإنما ثنى تأكيدا كقوله تعالى : أَلْقِيا فِي جَهَنَّمَ [ ق : 24 ] وعن أبي هريرة قال سمعت رسول الله صلى اللّه عليه وسلم يقول : « من خاف أدلج ومن أدلج بلغ المنزل إلا أن يبلغه الله تعالى إليه إلا أن يبلغه الله تعالى الجنة » « 1 » أخرجه الترمذي . قوله أدلج الإدلاج مخففا سير أول الليل ، ومثقلا سير آخر الليل ؛ والمراد من الإدلاج التشمير والجد والاجتهاد في أوّل الأمر فإن من سار في أوّل الليل كان جديرا ببلوغ المنزل . روى البغوي بسنده عن أبي الدرداء أنه سمع رسول الله صلى اللّه عليه وسلم يقص على المنبر وهو يقول : وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ قلت : وإن زنى وإن سرق يا رسول الله فقال رسول الله صلى اللّه عليه وسلم : وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ فقلت الثانية : وإن زنى وإن سرق يا رسول الله فقال رسول الله صلى اللّه عليه وسلم الثالثة : وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ قلت الثالثة : وإن زنى وإن سرق يا رسول الله قال : « وإن زنى وإن سرق على رغم أنف أبي الدرداء » « 2 » . فائدة : قال القرطبي : في هذه الآية دليل على أنّ من قال لزوجته إن لم أكن من أهل الجنة فأنت طالق إنه لا يحنث إن كان هم بالمعصية وتركها خوفا من الله تعالى وحياء منه ؛ وقاله سفيان الثوري وأفتى به . هذا ومذهب الشافعي أنه لا يحنث إذا كان مسلما ومات على الإسلام . وقال عطاء : نزلت هذه الآية في أبي بكر حين ذكر ذات يوم الجنة حين أزلفت والنار حين أبرزت ؛ وقال الضحاك : بل شرب ذات يوم لبنا على ظمأ فأعجبه فسأل عنه ، فأخبر عنه أنه من غير حل فاستقاءه ورسول الله صلى اللّه عليه وسلم ينظر إليه فقال : رحمك الله لقد أنزلت فيك آية وتلا عليه الآية . فَبِأَيِّ آلاءِ أي : نعم رَبِّكُما المربي لكما بإحسانه الكبار التي لا يقدر أحد على شيء منها تُكَذِّبانِ أبتلك النعمة أم بغيرها من نعمه التي لا تحصى ؟ . ثم وصف الجنتين بقوله تعالى : ذَواتا أي : صاحبتا أو خبر لمبتدأ محذوف أي : هما ذواتا ، وفي تثنية ذات لغتان الردّ إلى الأصل ، فإنّ أصلها ذوية فالعين واو واللام ياء لأنها مؤنثة ذوو الثانية التثنية على اللفظ فيقال ذاتا . وقوله تعالى أَفْنانٍ فيه وجهان : أحدهما : أنه جمع فنن كطلل وهو الغصن المستقيم طولا تكون به الزينة بالورق والثمر وكمال الانتفاع ، قال النابغة الذبياني « 3 » : بكاء حمامة تدعو هديلا * مفجعة على فنن تغني
--> ( 1 ) أخرجه الترمذي حديث 2450 ، والحاكم في المستدرك 4 / 308 ، والزبيدي في إتحاف السادة المتقين 8 / 441 . ( 2 ) أخرجه أحمد في المسند 5 / 152 ، 159 ، 161 ، 166 ، 285 ، 6 / 442 ، 447 . ( 3 ) البيت من الوافر ، وهو في ديوان النابغة الذبياني ص 126 .